عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

51

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

وقيل : بل يجوز أن تقع الكرامة أيضا للولي بالتحدي . قلت : وهذا النوع من الكرامة بالتحدي شاهدت كثيرا منها من الشهيد صاحب الكرامات والآيات علي اليوناني القزويني ، - رحمة اللّه عليه - ، وهو أحد مشايخي كان كبير الشأن عديم النظير في عهده ، وقد سألته عن هذه الحالة وقلت له : إنّا سمعنا أن الولي يجتهد في إخفاء حاله وكرامته ، والنبي - صلى اللّه عليه وسلم - يجتهد في إنشاء حاله وإظهار معجزاته . فقال : إني مأمور بإظهار الكرامة نصيحة للخلق ، فإنهم بعدوا عن عهد النبوة ، ورؤية الآيات ، فأظهر اللّه تعالى على يدي آياته لتكون مؤكدة لمعجزات النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ، بل هي أيضا من جملة معجزاته ، أظهرها لتجديد إيمان الخلق وتصديقهم لنبوته . وقيل : إنما الفرق بينهما هو أن ما كان معجزة للنبي لا يكون كرامة للولي . وقيل : بل يجوز أن يكون للولي أيضا من الكرامة ما كان معجزة للنبي . قلت : وهذا النوع أيضا شاهدته من الشيخ علي ، - رحمة اللّه عليه - ، وذلك أن من معجزة النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - بأنه وضع يده في ماء قليل فكان الماء ينبع من بين أصابعه حتى شرب منه خلق كثير « 1 » ، فكذلك رأيت من الشيخ أكثر من مرة ، أنه أخذ قدحا وجعل فيه قليلا من الماء فوضع بين يدي جماعة ، وقال : ارقبوه فإذا الماء كان ينبع من القدح حتى صار ملآنا من الماء ، وله رائحة أطيب من رائحة الورد ماء ورد ، وذلك حين التمسوا منه شيئا لدواء المريض وشفائه ، فكان كل من يشرب من ذلك الماء يشفى بإذن اللّه تعالى من مرضه ، وشربت منه مع جماعة جمة . والحمد للّه . وقيل : إنما الفرق هو أن المعجزة لا تقع إلا بعد دعوى ولا يكون مع سكوته معجزة . والكرامة : يجوز أن تقع مع سكوته ، ومع نطقه وقال المصنف - رضي اللّه عنه - : ويجوز أيضا للنبي أن تقع معجزة مع سكوته ومع نطقه ؛ لأن الجدي المسموم المشوي حين تكلم مع النبي - صلى اللّه عليه وسلم - أن لا تأكل مني فإني مسموم « 2 » كان عند سكوت النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ، لا عند دعواه بذلك ، وإنما الفرق بينهما : أن المعجزة تكون عقيب دعوى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بالنبوة ، ولا تكون الكرامة عقيب دعوى الولي بالنبوة ؛ لأنه لو

--> ( 1 ) أنظر تفسير ابن كثير ، تفسير سورة الفتح ( ج 4 ص 186 ) . وانظر صحيح البخاري ، كتاب الوضوء ، باب الوضوء . . . ، حديث رقم ( 200 ) ، وصحيح مسلم كتاب الفضائل ، باب معجزات النبي صلى اللّه عليه وسلم ، حديث رقم ( 4 / 2279 ) . ( 2 ) انظر القصة كاملة في كتاب « الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ، فصل في الآيات في ضروب الحيوانات ، ( 1 / 191 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .